الصفحة الرئيسيةالمحاضرات الصوتية

مكنبة المرئياتمكتبة القصص
مكتبة الفتاوىسجل الزوارمحرك البحثمراسلة الإدارة


 

        

-------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

   


أثر القدوة الحسنة في بناء الأمة

أثر القدوة الحسنة في بناء الأمة

      إن الحديث عن القدوة الحسنة يعني ببساطة التعرض لواحد من أهم وسائل التعليم والإصلاح في المجتمعات ، بل وعن الطريقة المثلي لنقل الأخلاق الحسنة والعادات الحميدة إلي القطاع العريض من الناس . ولهذا نلحظ أن الإسلام قد أفرد لهذا العنصر ( القدوة الحسنة ) حيزاً كبيراً من الاهتمام ، إذ أن المتتبع لكل النصوص التي تتعلق بالتأسي والتقليد يلمس الأهمية البالغة لهذا العنصر .

 أولاً : مظاهر الاهتمام بالقدوة في القرآن والسنة .

1 – حصر القدوة في أشخاص بعينهم حصلت لهم تزكية بنص شرعي ، فبنظرة سريعة ندرك أن الإسلام لم يترك للهوي أن يختار القدوة للإنسان ، بل حدد من هم الأهل لهذه القدوة ، من ذلك قول الله جل وعلا ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ) وقوله سبحانه وتعالي عمن حصل علي تزكية سابقة ( إني جاعلك لناس إماماً ) سبقت لهم الحسني فأصبحوا أهلاً للإمامة ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه …… ) إلي أن قال سبحانه وتعالي ( لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر … ) .

     ولأهمية هذا التحديد فإن قدوتنا محمد أمره ربه أن يقتدي بمن زكاهم ربهم كما حدثت سورة الأنعام حيث ذكرت بعضاً من الأنبياء والرسل ثم جاء التكليف بعده ذلك ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده … ) .

2 – من كان في موطن القدوة يضاعف له أجر الحسنة كما يضاعف عليه وزر السيئة ، فمن كان في هذا الموطن إذا زل زل العالم بزلته ، ولهذا حدث القرآن عن أزواج رسول الله وهن في موطن القدوة لسائر المؤمنات ( يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك علي الله يسيرا . ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين واعتدنا لها رزقاً كريماً ) وفي الحديث ( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ) وفي حديث آخر ( ما من نفس تقتل ظلماً إلا كان علي ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل ) .

3 – وآخر ذلك أن الإسلام جعل الاتباع للمبادئ مقدماً علي الاقتداء بالأشخاص وهذا هو الفرق بين التقليد والاتباع ، فالمقلد يحاكي ما يراه دون فهم لحكمة أو تعرف إلي دليل أما المتبع فهو وإن قلد فتقليده مبني علي علم بدليل ما يعمله ، و في ذلك يقول القرآن الكريم ( قل هذه سبيلي أدعو إلي الله علي بصيرة أنا ومن اتبعني … ) ويقول النبي ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ) الحديث يشترط في اتباعنا لمن هم بعد رسول الله أن يكون الأمر علي رشاد وهذا يقتضي عرض أفعالهم علي المبادئ فما توافق معها قبلناه مع تسليمنا بمكانة وقدر الشخص الذي نعرض لسيرته .   

ثانياً : أهمية القدوة بالنسبة للإنسان .

     إن الدارس لطبيعة الإنسان يلمس ميله للتقليد وحبه للتأسي ( بصرف النظر عن صحة اختياره لقدوته من عدمه ) فتلك جبلة بشرية ، ولقد أصبح مألوفاً أن يقول الكبير للصغير : كن مثل فلان ، وأن يقول الصغير للكل : إن مثلي الأعلى هو فلان  . فكل هذه الأقوال إنما هي تعبير عن حالة الإنسان الذي يطلب له مثالاً يحتذي به ، وتكمن أهمية هذه الفطرة في النقاط التالية :

1 ) أنها تبين الأحكام وتترجم المبادئ بشكل عملي ، وفي الحقيقة فإن شغف الإنسان في التعرف إلي كيفيات الأعمال ليس له حدود ، فنحن نحب أن نتعلم كيف تعمل الآلة وكيف تسير الأشياء حولنا ، ولربما كان هذا هو الذي دفع إبراهيم  إلي سؤال ربه عن كيفية إحياء الموتى فليس الشك هو الباعث علي السؤال إنـما هو الرغبة في التعرف علي الكيفية التي يتم بها الأمر ( رب أرني كيف تحيى الموتى … ) غير أن الإجابة لم تأت بالشكل الذي كان يتوقعه إبراهيم ، فقد أراه ربه أثر الكيفية دون الكيفية نفسها ، وذلك لأن كيفية الإحياء فوق قدرة العقل البشري .

     إننا حين نشرع في تعليم الصغير أو من أسلم حديثاً أبسط الأعمال التعبدية فلابد من أن يقترن القول بالعمل ، يحدث ذلك حين نعلمه مثلاً عن الركوع والسجود وغير ذلك من حركات الصلاة أو مناسك الحج .

     ومهما كانت قوة فهم التلاميذ للشرح الذي يقوم به المعلم فإن الأمر لا يرسخ في أذهانهم  إلا إذا شاهدوا الجانب العملي في المسألة ، بل في كثير من الأحيان لايفهم كثير من الناس كيفية الحكم الشرعي إلا إذا تم تناولها بشكل عملي من خلال المعلم كما هو الحال في معظم مناسك الحج .

2 ) أثرها علي الإنسان أخطر من كل الأقوال والمواعظ ، ولقد صدق من قال " فعل رجل في ألف رجل أقوي من قول ألف رجل لرجل " .

3 ) عامة الناس يكتفون بها ولا يلجأ ون إلي البحث أو طلب التغيير ، وهذا مسلك الكافرين في أغلب الأحيان ( إنا وجدنا ءاباءنا علي أمة وإنا علي آثارهم مهتدون ) وأحياناً ( …. وإنا علي آثارهم مقتدون ) لقد رفضوا التعرف علي الحق الذي جاء به الأنبياء والمرسلون لالشىء إلا لأنه يخالف ما وجدوا عليه السابقين منهم ، وأحيانا يظن بعضهم أن هذه الحجة تدفع عنهم ( إنما أشرك ءاباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ) غير أنهم يدركون بعد فوات الأوان أن هذا لا يليق بعاقل ( … قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفا من النار … ) . 

ثالثاً : كيف يتم اختيار القدوة ؟

     وهذا الاختيار يتوقف علي الطريق الذي يختاره المتبع حيث يختار أئمة الطريق وأعلامه وهنا يكمن الفرق بين التقليد والاتباع ، فالمقلد يسير وراء كل صوت يدعوه بغير أن يتعرف إلي طبيعة هذا الصوت ولا إلي مراميه وحتى لا يحاول أن يتعرف علي أدلته  ، أما المتبع فهو يدرس الشخصية التي سيسعي خلفها طلباً للهداية والرشاد ، ولهذا قيل : الأجر للمتبع وليس للمقلد .

     ولقد بين القرآن الكريم أن الأئمة نوعان ، قسم يدعو إلي الهدي والرشاد ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين ) والقسم الآخر هم أئمة الضلال ، ودعوى هؤلاء تجرهم وأتباعهم إلي جهنم وبئس المصير ( وجعلناهم أئمة يدعون إلي النار ويوم القيامة لا ينصرون ) ، وعلى المتبع أن يدرس طريق الطائفتين وأن يختار طريق الخـير ، وليعلم أهل الباطل الذين اتبعوا طريق الضلال أن قادتهم الذين دعوهم إلي هذا الطريق سيتبرأون منهم يوم القيامة ، أما هم فلن يجدوا الفرصة ليتبرأوا من الأعمال التي قاموا بها .

     ونحن نتحدث عن القدوة الحسنة فلا يصلح لها إلا من حصل علي تزكية حقيقية ،وهم في المقام الأول من ثبت لهم ذلك بنص كما قدمنا ، وهم في المقام الأول ومطلقاً الرسل والأنبياء عليهم صلوات ربي وسلامه ، فإقتداؤنا برسول الله أمرنا به ونؤجر عليه ، نأخذ بكل أقواله وأفعاله وتقريراته ، ونسعي للتشبه بكل صفاته الخلقية والخلقية .

     وإقتداؤنا بالصحابة من بعد رسول الله أمرنا به ، وكل أعمالهم قام العلماء بعرضها  علي القرآن والسنة ، وفعل الصحابي إذ لم يخالفه غيره من الصحابة فهو حجة ، وإلا فهو اجتهاد لا يلزم إلا صاحبه

    ولخطورة الاقتداء بإنسان قد تكون حقيقته بخلاف ما ظهر منه حذر السابقون من الاقتداء بمن نفتن ببعض الجوانب فيه مخافة الجوانب التي لانعلمها عنه ، فقالوا : المعاصرة حجاب ، وقالوا : لا تتأسى إلا بمن مات ، وهذا القول لا يؤخذ علي إطلاقه إذ من الممكن أن نقتدي به في جوانب الصلاح ونتحاشي منه الجوانب الأخرى ، وهذا طبعاً لمن يعلم الدليل علي صحة الفعل من عدمه ولديه القدرة علي الحس الانتقادي أو الانتقائي .

     روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال : ( من كان منكم متأسياً فليتأس بأصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم ، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً ، وأعمقها علماً ، وأقومها هدياً ، وأحسنها حالاً ، اختارهم الله لصحبة نبيه صلي الله عليه وسلم وإقامة دينه ، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم ) .

رابعاً : المواطن التي يقتدي فيها بالأنبياء والصالحين .

اقداؤنا بالأنبياء والمرسلين اقتداء مطلق ، بمعني أنه يصح في كل الأعمال ، هذا وإن كان بعض العلماء فرقوا بين العادة الخاصة وبين العمل المرتبط بالعبادة من فعل الأنبياء ، فمن المعلوم أن اتباع الأنبياء في أي عمل يؤجر عليه صاحبه وإن لم يؤمر به ، كما أنه دليل محبة .

خامساً : من الذي لديه القدرة علي الاقتداء برسول الله ؟

من المعروف أن مسلك الأنبياء هو أضمن المسالك لسلامة المسار ، غير أنه في نفس الوقت ليس اسهلها ( مالم يكن أصعبها ) ( وإن كانت لكبيرة إلا علي الذين هدي الله ) ( طريق الجنة حزن بربوة وطريق النار سهل بسهوة )

خامسا : ما يستعين به المسلم لحسن الاقتداء ؟

دلنا القرآن الكريم علي الأسباب المعينة للإنسان المسلم ليسير خلف نبيه صلي الله عليه وسلم منها :

1)    إخلاص المحبة والتوجه إلي الله جل وعلا ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ) .

2)  الإكثار من ذكر الله جل وعلا ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ) .

سادساً : واجبات القدوة .

     قد يجد الإنسان نفسه في الموطن الذي يقتدي به الناس من خلاله ، سواء كان ذلك برغبته وتخطيط منه كمن يسعي لطلب الولايات العامة ، ومن يتفقه في الدين فيتخذه الناس قدوة ، والمدرس في نظر تلاميذه ، والرئيس في العمل ، وربما يكون ذلك بغير طلب من الإنسان كالأبوين . كل هؤلاء وغيرهم ممن هم في موطن القدوة عليهم أن يلزموا منهجاً سلوكياً وأخلاقياً يتناسب مع مكانتهم باتباع مايلي :

1)  الحرص علي عدم مخالفة القول للفعل ، فهذا الفعل من شأنه أن يهدم كل بناء أقامه القدوة في نفس أتباعه ، ويعطي المبرر لهم للخروج علي المنهج ، و الفعل في حد ذاته من أشد الأفعال بغضاً عند الله تبارك وتعالي ( كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) ومثل هؤلاء من قال النبي في شأنهم ( يؤتي بالرجل يوم القيامة فيلقي في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحا فيجتمع إليه أهل النار فيقولون : يافلان مالك ؟ ألم تكن فينا تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر ؟ فيقول : بلي كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهي عن المنكر وآتيه ) .

2)  أن يحرص دائماً علي الظهور في أفضل الحالات وأكملها من الناحية الشرعية ، وهذا من ناحية يمثل ستراً لعيوبه وقد أمرنا الله بذلك وفي نفس الوقت هو حرص علي عدم إشاعة الفاحشة في الذين ءامنوا ، كما أنه لا يصدم تابعيه في الصورة التي رسموها له ، وفي كثير من الأحيان فإن ما يقوم به الإنسان لستر نفسه  يكون سبباً في تطهيره من هذا العيب أو ذاك ، ولا ننسي أن المفاخرة بالذنب أشد من الذنب نفسه .

3)  ليعلم أن ما قد يباح للغير من أقوال وأفعال في بعض الأحيان لا يليق بمن هم في موطن القدوة أن يفـعلوه ، فالعلـمـاء يعلمـون الناس الرخص ولكن لايترخصون ، بل يأخذون أنفسهم بالعزيمة ، ولقــد كان رسول الله بين أصحابه مثالاً للجد حين يمرحون ، ومثالاً لليقظة حين ينامون ،  ومثالاً للإقدام حين يتكاسلون ، وكان لا يخوض أبدا في شئ مما يخوض فيه الناس . ويرضي الله عن الإمام أحمد لما طلب ابنه منه أن يترخص بأن يقول ما يرضي عنه الناس إبان محنة ( القول بخلق القرآن ) قائلاً له : إن الناس في حاجة إلي علم أحمد ، يعني بذلك أنه من يقـوم مقامه إن هو مات ، فيرد عليه الإمام : يابني إن حاجة الناس أشد إلي من يعلمهم ثبات أحمد .

         روي مالك عن نافع أنه سمع أسلم – مولي عمر بن الخطاب _ يحدث عبد الله بن عمر : أن عمر بن الخطاب رأي علي طلحة بن عبيد الله ثوباً مصبوغاً وهو محرم ، فقال : ما هذا الثوب المصبوغ يا طلحة ؟ فقال طلحة : يا أمير المؤمنين إنما هو مدر ( ثوب مصبوغ بمادة حمراء ليست من الطيب ) ، فقال عمر : إنكم أيها الرهط أئمة يقتدي بكم الناس ، فلو أن رجلاً جاهلاً رأي هذا الثوب لقال : إن طلحة بن عبيد الله كان يلبس الثياب المصبغة في الإحرام ، فلا تلبسوا أيها الرهط شيئاً من هذه الثياب المصبغة .

4)  عدم التردد في الاعتراف بالخطأ وبيان ذلك لمتبعيه وربما كان ذلك فرصة للقول بأنه لا عصمة لأحد بعد رسل الله وأن طبيعة البشر تحتمل الصواب والخطأ ، أما محاولة تبرير الخطأ فهي أشد من الخطأ نفسه .

                                                                                         كتبه

الشيخ / مرسي بسيوني مرسي


تاريخ الإضافة : 30/6/2010
الزيارات : 2772
رابط ذو صله : http://www.shekhmorsy.com
الكاتب : الشيخ / مرسي بسيوني مرسي
القسم : مـوضوعات للدعوة

التعليقات على الماده


أضف تعليقك














----------------------------

 

هـام جـداً : لتصفح الموقع بشكل أفضل يرجي تحديث المتصفح لديك باستخدام أحد الإصدارات التالية 

             

----------------------------------

النشيد الموجود فى واجهة الموقع من تسجيلات قناة الأمة الفضائية

فضيلة الشيخ مرسى بسيونى مرسى
Powered by: Islamec magazine V6 bwady.com - nwahy.com